قواعد الضمان بين الشريعة والقانون

يُعدّ ضمان الخطأ الطبي من المسائل التي تتقاطع فيها الأحكام الفقهية مع القواعد القانونية، لما يترتب عليه من حماية للمرضى وجبر للأضرار الناشئة عن الممارسة الطبية. ويهدف هذا البحث إلى بيان الأساس الفقهي لضمان الخطأ الطبي والقواعد الحاكمة له، ثم بيان موقف القانون السوري وبعض التشريعات العربية من المسؤولية الطبية، وصولًا إلى إجراء مقارنة بين الضمان في الفقه الإسلامي والمسؤولية المدنية في القانون. كما يسعى إلى بيان حدود مسؤولية الطبيب بما يحقق التوازن بين حق المريض في التعويض وحماية الطبيب من المسؤولية غير المستندة إلى خطأ موجب للضمان.: القواعد الحاكمة لضمان الخطأ الطبي

قواعد الضمان من أهمّ أبواب الفقه الإسلامي اتصالًا بحماية الحقوق وصيانة الأنفس والأموال؛ إذ به يتحقق جبر الضرر، وردّ الاعتداء، ومنع التعدّي، وضبط آثار الأفعال الضارة في المجتمع. وقد أولى الفقه الإسلامي هذا الباب عنايةً بالغة، فقرّر أصوله، وضبط مناطاته، وفصّل أحكامه، وربط ثبوت الضمان بأسباب محددة ومعايير منضبطة، تقوم على العدل ورفع الحرج، وتوازن بين حفظ الحقوق وعدم تحميل الناس ما لا يطيقون.

وقد شمل هذا التنظيم الفقهي الدقيق مختلف صور الإتلاف والجنايات، سواء وقعت عمدًا أو خطأ، مباشرةً أو تسببًا، مع بيان أثر الإذن، والتعدي، والتفريط، والقدرة على الاحتراز، وتقدير التعويض بقدر الضرر دون زيادة أو نقص؛ وبذلك لم يترك الفقه الإسلامي مسألة الضمان لاجتهادات مطلقة أو اعتبارات عاطفية، بل أخضعها لقواعد كلية وضوابط محكمة تُنزل على الوقائع بحسب حقيقتها.

ويأتي الخطأ الطبي في مقدمة القضايا التي يبرز فيها أثر هذه القواعد؛ لتعلّقه المباشر بالأنفس والمنافع، وتداخل الجوانب الفنية مع الأحكام الشرعية. ومن ثمّ فإن النظر في ضمان الخطأ الطبي لا يكون بإنشاء قواعد خاصة خارجة عن أصول الفقه، ولا بتوسيع دائرة المسؤولية بلا ضابط، وإنما بردّه إلى القواعد العامة للضمان التي قررها الفقهاء، وتنزيلها تنزيلًا منضبطًا على الوقائع الطبية بحسب ما يثبت فيها من مباشرة أو تسبب، وتعدٍّ أو تفريط، وإذن أو عدمه.

وعليه، يهدف هذا البحث إلى بيان القواعد الفقهية المؤثرة في ضمان الخطأ الطبي، كما قررها الفقه الإسلامي في باب الضمان، وبيان كيفية إعمالها في هذا المجال، على وجهٍ يحقق جبر الضرر، ويحفظ حقوق المرضى، ويصون في الوقت نفسه مهنة الطب من الجور والتوسع غير المعتبر في تحميل المسؤولية.

المطلب الأول: الأساس الفقهي لضمان الخطأ الطبي

أولًا: الضمان في الفقه الإسلامي: تعريفه وأدلته:

الضمان في اصطلاح الفقهاء هو: شَغْلُ الذمة بحقٍّ مالي يجب أداؤه جبرًا للضرر الحاصل بفعلٍ محرم أو بتفريط في واجب. وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.

من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194]، وقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: 40]، وهما أصلان في تقرير مبدأ المماثلة في الجزاء على الاعتداء، الذي بنى عليه الفقهاء وجوب جبر الضرر بالمثل أو بما يقوم مقامه عند التعذر

ومن السنة: حديث النبي ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار» وهو أصل كلي في باب الضمان، وقد تلقاه الفقهاء بالقبول، وبنوا عليه أحكام التعويض وجبر الضرر.

ومن الإجماع: انعقد إجماع الفقهاء على أن من أتلف مال غيره أو نفسه أو منفعته ضمن، سواء كان الإتلاف عمدًا أو خطأ.

وقد تقرر في كتب الفقه أن الضمان لا يتوقف على القصد، بل مناطه تحقق الإتلاف، ولهذا قالوا: الخطأ موجب للضمان كالعمد في الأموال والأنفس، وإنما يفترقان في الإثم والعقوبة.

ثانيًا: موقع العمل الطبي من نظرية الضمان:

الأصل في العمل الطبي أنه مباح، بل مندوب أو واجب كفائي، إذا صدر من مختص مأذون، ملتزم بالأصول الطبية المعتبرة، غير أن هذا الإذن ليس إسقاطًا للضمان مطلقًا، بل هو إذن مقيد بعدم التعدي أو التفريط.

وعليه، فإن الخطأ الطبي لا يُخرج عن القواعد العامة للضمان، بل يُنزّل عليها، فيثبت الضمان على الطبيب إذا تحقق الضرر، وثبت إسناده إلى فعله، مع قيام التعدي أو التفريط، وانتفاء ما ينفي الضمان.

المطلب الثاني: القواعد الفقهية المؤثرة في ضمان الخطأ الطبي

هذا عرضٌ لجملة من القواعد الفقهية المؤثرة في ضمان الخطأ الطبي، مرتبة ترتيبًا واقعيًا منضبطًا، مع بيان وجه اتصال كل قاعدة بهذا الباب، على ضوء ما قرره الفقهاء في باب الضمان.

أولًا: قواعد إسناد الفعل وتحميل المسؤولية (من المسؤول عن الضرر؟)

القاعدة الأولى: إذا اجتمع المباشر والمتسبب أضيف الحكم إلى المباشر

هذه القاعدة من أصول باب الضمان، ومؤداها أن الإتلاف إذا صدر عن مباشر ومتسبب، نُسب الحكم إلى المباشر؛ لأن فعله هو الذي تحقق به الإتلاف حقيقة، بخلاف المتسبب الذي لم يوجد منه إلا سبب غير مستقل، وعلى هذا الأصل بنى الفقهاء أحكام الجنايات والإتلافات.

وعليه، فإن الطبيب الذي يباشر الإجراء الطبي بنفسه يُعد مباشرًا، فتُضاف إليه نتيجة فعله متى تحقق الضرر، ولا يُصرف الحكم عنه إلا إذا ثبت أن سببًا آخر مستقلًا عنه قد استقل بإحداث الضرر استقلالًا معتبرًا.

القاعدة الثانية: المباشر ضامن وإن لم يتعمد

الأصل المقرر عند الفقهاء أن المباشر يضمن ما باشره من إتلاف، سواء وقع ذلك عمدًا أو خطأ، لأن الضمان في الأموال والأنفس مبناه على الجبر لا على القصد، وقد انعقد الإجماع على أن الخطأ لا يمنع الضمان، وإنما يمنع الإثم والعقوبة.

وعليه، فلا يُقبل من الطبيب دفع الضمان بمجرد نفي القصد أو الادعاء بحسن النية، متى ثبت أن فعله المباشر أفضى إلى ضرر محقق، إذ القصد معتبر في باب العقوبة لا في أصل الضمان.

القاعدة الثالثة: المتسبّب لا يضمن إلا بالتعمد

فرّق الفقهاء بين المباشر والمتسبب، فجعلوا الأصل أن المتسبب لا يضمن إلا إذا كان متعمدًا أو متعديًا؛ لأن فعله لم يستقل بالإتلاف، وهذه القاعدة مهمة في توزيع المسؤولية.

وعلى تنزيلها في المجال الطبي، يظهر أثرها في مسؤولية غير الطبيب المباشر، كالإدارة أو الطاقم المساند، فلا يُلزمون بالضمان إلا إذا ثبت تعمدهم أو تفريطهم المؤثر في وقوع الضرر.

القاعدة الرابعة: يضاف الفعل إلى الفاعل لا إلى الآمر ما لم يكن مجبرًا

الأصل أن الفعل يُنسب إلى من باشره، لا إلى من أمر به، إلا إذا كان الآمر قد أجبر الفاعل وألزمه بحيث زال اختياره، وهذه القاعدة تضبط نسبة المسؤولية.

وعليه، لا يُرفع الضمان عن الطبيب لمجرد صدور تعليمات إدارية أو أوامر تنظيمية، ما دام قد باشر الفعل مختارًا غير مُكره.

ثانيًا: القواعد الحاكمة لأصل الضمان (متى يثبت الضمان ومتى ينتفي؟)

القاعدة الخامسة: الجواز الشرعي ينافي الضمان

مقتضى هذه القاعدة أن الفعل إذا كان جائزًا شرعًا وواقعًا على وجهه، انتفى الضمان عنه؛ لأن الإذن الشرعي يرفع المؤاخذة المالية، إذ لا يُتصوَّر تضمين مأذونٍ على فعلٍ أُبيح له ابتداءً، غير أن هذا الجواز ليس مطلقًا، بل هو مقيد بعدم التعدي أو التفريط.

وعليه، فإن العمل الطبي من حيث الأصل مشروع، إذا صدر من طبيب مختص مأذون، ملتزم بالأصول الطبية المعتبرة. فإذا جرى العلاج على هذا الوجه وانتفى التعدي والتفريط انتفى الضمان، أما إذا خالف الطبيب مقتضى الجواز، بتجاوز الأصول أو التقصير في الواجبات المهنية، عاد الضمان رغم قيام الإذن.

القاعدة السادسة: لا ضمان مع الإذن إلا بالتعدي أو التفريط

إذا أُذن للإنسان في فعلٍ ففعله ضمن حدود الإذن، فلا ضمان عليه ما دام ملتزمًا به، فإذا تعدّى حدّه أو فرّط في مقتضاه عاد الضمان. وهذا أصل مطّرد في الفقه، يوازن بين رفع الحرج بالإذن، وحفظ الحقوق عند المخالفة.

وفي العمل الطبي، فإن إذن المريض أو وليه، مع اختصاص الطبيب، يرفع الضمان من حيث الأصل، لكنه إذن مقيد بالتزام الأصول الطبية المعتبرة وبذل العناية الواجبة، فإذا خالف الطبيب ذلك بتعدٍّ أو تفريط ثبت الضمان رغم وجود الإذن.

القاعدة السابعة: التعدي هو مجاوزة الحد، والتفريط ترك ما يجب

هذه القاعدة هي مناط الضمان في الجملة؛ فالتعدي هو مجاوزة الحد المعتبر شرعًا أو عرفًا، والتفريط هو ترك ما يجب فعله مع القدرة عليه، ويدور الضمان مع أحد هذين الوصفين وجودًا وعدمًا.

وعليه، يُعد الطبيب متعديًا إذا خالف الأصول الطبية المستقرة أو استعمل وسيلة غير مأمونة، ويُعد مفرطًا إذا أهمل الفحوص اللازمة أو قصّر في المتابعة أو ترك ما جرى به العرف الطبي من الاحتياطات، ومتى ثبت أحد الوصفين انعقد سبب الضمان ولو كان الطبيب مأذونًا ومختصًا.

ثالثًا: القواعد النافية للضمان عند انتفاء المخالفة (متى ينتفي الضمان رغم تحقق الضرر؟)

القاعدة الثامنة: ما لا يمكن الاحتراز عنه لا ضمان فيه

ما تعذر الاحتراز عنه عادةً، ولم يكن ناشئًا عن تعدٍّ أو تفريط، فلا ضمان فيه. وهذا أصل في إسقاط الضمان عن الأضرار غير المتوقعة. وعلى هذا تُحمل المضاعفات الطبية الملازمة للعلاج، التي لا يمكن دفعها مع التزام الأصول الطبية، فلا يُحكم بضمانها.

القاعدة التاسعة: لا ضمان على المبالغ في الحفظ

إذا بالغ الإنسان في الحفظ وبذل وسعه في صيانة ما تحت يده، ثم وقع التلف، فلا ضمان عليه.

وعليه، إذا ثبت أن الطبيب بذل العناية الطبية الواجبة واتخذ الاحتياطات اللازمة، ثم وقع الضرر بسبب لا يمكن دفعه، انتفى الضمان.

رابعًا: القواعد المنشِئة للضمان عند قيام سببِه (متى ينعقد سبب الضمان رغم وجود إذن أو شبهة إباحة؟)

القاعدة العاشرة: المفرِّط ضامن

وهذه القاعدة تطبيقٌ خاص لما تقرر في قاعدة التعدي والتفريط، إذ التفريط أحد موجبات الضمان عند تحققه. والتفريط موجب للضمان باتفاق الفقهاء، لأنه ترك لما يجب فعله مع القدرة عليه، فينعقد به سبب الضمان متى ترتب عليه ضرر.

وعليه، إذا أهمل الطبيب الفحوص اللازمة، أو قصّر في المتابعة، أو خالف الإجراءات الطبية الأساسية المعتبرة، انعقد سبب الضمان بتفريطه، ولو كان العمل في أصله مأذونًا.

القاعدة الحادية عشرة: الغار ضامن

الغار هو من أدخل غيره في الضرر بطريق الخداع أو الإيهام، وقد قرر الفقهاء تضمينه لأن تغريره سبب مؤثر في وقوع الضرر.

وعليه، إذا قدّم الطبيب للمريض معلومات غير صحيحة أو ناقصة مؤثرة في القرار العلاجي، أو أخفى مخاطر جوهرية يترتب عليها اختلاف الرضا، انعقد سبب الضمان باعتبار التغرير سببًا مستقلاً له.

خامسًا: قواعد جبر الضرر وتقدير التعويض (كيف يُجبر الضرر بعد ثبوت الضمان؟)

القاعدة الثانية عشرة: الضرر يُزال

هذه قاعدة كلية في الشريعة، دل عليها قوله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار»، وهي أصل جامع في باب الضمان، ومقتضاها وجوب رفع الضرر بحسب الإمكان.

وفي الخطأ الطبي، إذا تعذر رفع الضرر عينًا بإعادة الحالة إلى ما كانت عليه، تعيّن رفعه حكمًا بجبره بالتعويض المالي.

القاعدة الثالثة عشرة: الضرر لا يُزال بمثله

من قواعد العدل أن الضرر لا يزال بإحداث ضرر مساوٍ له أو أشد منه، لأن المقصود رفع الظلم لا استبداله بظلم آخر. وعليه يُقدَّر التعويض في قضايا الخطأ الطبي بقدر الضرر المتحقق دون زيادة تُفضي إلى إضرار بالطبيب، ولا نقصان يهدر حق المريض.

القاعدة الرابعة عشرة: إذا تعذَّر الأصل يُصار إلى البدل

الأصل في الضمان جبرُ الضرر على وجهه، بردّ الشيء بعينه أو إزالة أثر الإتلاف حقيقةً. فإذا تعذّر ذلك، انتقل الحكم إلى البدل الذي يقوم مقام الأصل في تحقيق الجبر.

وعليه، فإن الضرر الناشئ عن الخطأ الطبي إذا تعذّر رفعه عينًا، كتعذّر إعادة النفس بعد تلفها، أو إعادة العضو بعد ذهابه، أو إعادة المنفعة بعد فواتها، لم يسقط الضمان، بل يُصار إلى البدل الشرعي المقرر لجبر هذا الضرر؛ فتجب الدية عند تلف النفس، ويُقدّر الأرش في الأعضاء المقدّرة، وتُحكم حكومة العدل فيما لا تقدير له، بحسب ما يثبته الواقع الطبي ويقدّره القاضي.

خاتمة:

يتبيّن من هذا العرض أن ضمان الخطأ الطبي في الفقه الإسلامي محكوم بقواعد ضابطة دقيقة، تقوم على إسناد الفعل إسنادًا صحيحًا، وربط الضمان بتحقق سببه المعتبر من تعدٍّ أو تفريط، وانتفائه عند عدم قيام ذلك السبب، مع التفريق بين المباشرة والتسبب، وبين ما يمكن الاحتراز عنه وما لا يمكن دفعه عادةً.

كما ظهر أن الإذن في العمل الطبي لا يعمل إلا في حدوده، فلا يرفع الضمان إلا مع الالتزام بمقتضاه، وأن وجود الضرر وحده لا يكفي للحكم بالضمان ما لم يثبت نسبته إلى فعلٍ معتبر موجب له. وأن جبر الضرر بعد ثبوت الضمان يخضع لقواعد التناسب والعدل، فيُقدَّر بقدر الضرر دون زيادة أو نقص، مع مراعاة طبيعة التلف وآثاره.

وبذلك يستقر ميزان ضمان الخطأ الطبي على أصول فقهية منضبطة، تُنزل على الوقائع الطبية بحسب حقيقتها، وتُحقق جبر الضرر عند قيام موجبه، وتمنع في الوقت نفسه التوسع في الضمان بغير أساس معتبر.

المبحث الثاني: أحكام الضمان في القانون السوري

تقوم أحكام الضمان في الفقه الإسلامي بوجه عام في إطار يقابل مفهوم المسؤولية في القانون المدني، ذلك أن مصطلح الضمان يُعد من المصطلحات المركزية التي كثر شيوعها في آراء الفقه الإسلامي، ويؤدي وظيفة قانونية تماثل في جوهرها ما تؤديه المسؤولية المدنية في التشريعات الوضعية.

وتتمثل الإشكالية في وجود غموض في تحديد ماهية الضمان في التشريعات العربية، حيث يختلط هذا المفهوم في التطبيق مع مفهوم المسؤولية المدنية، دون تمييز دقيق بين الأساس الفقهي للضمان والأساس القانوني للمسؤولية، الأمر الذي يقتضي بيان مفهوم الضمان وبيان سند مشروعيته، ثم إجراء مقارنة منهجية بين تعريف المسؤولية المدنية وتعريف الضمان في الفقه الإسلامي، وذلك على النحو الآتي:

المطلب الأول: المسؤولية المدنية

يعرفها الفقه القانوني أنها ” التزام المسؤول -في حدود القانون- بتعويض الغير المتضرر عن الضرر الذي أصابه نتيجةَ ما لحقه من تلف مالي مادي أو معنوي، أو حادث النفس.

ويعرف القانون نوعين من المسؤولية المدنية:

أولا: المسؤولية العقدية وهي الجزاء القانوني المترتب على إخلال المدين بالتزاماته الناشئة عن العقد، سواء كان هذا الإخلال بعدم التنفيذ أو بالتنفيذ المعيب أو بالتأخير في التنفيذ. ويشترط لقيام المسؤولية العقدية توافر ثلاثة أركان، هي: الخطأ العقدي، والضرر، وعلاقة السببية بين الخطأ والضرر.

نصت المادة /204/ من القانون المدني السوري على أنه:

«إذا لم يقم المدين بالوفاء بالتزاماته العقدية جاز للدائن بعد إعذاره أن يجبره على تنفيذه تنفيذ عينيا متى كان ذلك ممكنًا».

غير أن التنفيذ العيني قد يكون مستحيلاً، أو قد لا يرى الدائن فائدة في إجبار المدين عليه، وفي هذه الحالة يجوز له العدول إلى طلب التنفيذ بمقابل، أي المطالبة بالتعويض عن الضرر الناتج عن عدم التنفيذ.

والتعويض: هو مبلغ من المال يُلزم المدين بدفعه للدائن جبرًا للضرر الذي أصابه نتيجة عدم تنفيذ العقد. ولا يُحكم بالتعويض إلا إذا توافرت شروطه القانونية وعندها يجب على القاضي أن يحكم بتعويض الدائن

ويعرف الخطأ العقدي: سلوك المدين سلوكًا يتنافى مع ما التزم به في العقد، ولا يكفي مجرد عدم تنفيذ الالتزام لقيام المسؤولية، بل يجب أن يكون عدم التنفيذ راجعًا إلى خطأ المدين، ما لم يثبت هذا الأخير أن عدم التنفيذ يعود إلى سبب أجنبي لا يد له فيه.

ويختلف إثبات الخطأ العقدي باختلاف نوع الالتزام؛ ففي الالتزام بتحقيق نتيجة، يُفترض الخطأ بمجرد عدم تحقق النتيجة، ويقع على عاتق المدين نفي مسؤوليته بإثبات السبب الأجنبي. أما في الالتزام ببذل عناية، فلا يكفي للدائن إثبات عدم التنفيذ، بل يجب عليه إثبات أن المدين لم يبذل العناية اللازمة، فإذا أثبت ذلك، انتقل عبء الإثبات إلى المدين لنفي مسؤوليته بإثبات السبب الأجنبي.

وللخطأ العقدي درجات أولها الغش، وهو الخطأ العمدي القائم على سوء النية والإخلال المتعمد بالالتزام. كما توجد أخطاء غير عمدية ناتجة عن الإهمال أو عدم التبصر. والأصل في المسؤولية العقدية قصر التعويض على الضرر المباشر المتوقع، غير أن وجود الغش أو الخطأ الجسيم يؤدي إلى توسيع نطاق المسؤولية ليشمل الضرر المباشر سواء كان متوقعًا أم غير متوقع.

والخطأ الجسيم هو الخطأ الذي لا يرتكبه أشد الناس إهمالًا، أو الذي لا يصدر عن أقلهم تبصرًا، وهو وإن كان لا ينطوي على قصد الإضرار أو سوء النية، إلا أن القانون يُلحقه في آثاره بالغش، فيُسأل المدين عنه عن الضرر المتوقع وغير المتوقع.

الضرر: ورغم أن القانون لم ينص صراحة على الضرر بوصفه ركنًا من أركان المسؤولية العقدية، إلا أن توافره يُعد أمرًا بديهيًا، لأن عدم التنفيذ يؤدي في الغالب إلى إلحاق ضرر بالدائن. ويقع عبء إثبات الضرر على عاتق الدائن، ويشترط في الضرر أن يكون محققًا، ومباشرًا، ومتوقعًا.

ولا يُسأل المدين في نطاق المسؤولية العقدية إلا عن الضرر المباشر المتوقع وقت التعاقد، أما الضرر المباشر غير المتوقع فلا يُسأل عنه إلا في حالتي الغش أو الخطأ الجسيم. ويُناط بالقاضي تقدير ما كان متوقعًا من الضرر بالاستناد إلى نصوص العقد، فإن لم يجد فيجب عليه الاعتداد بما يتوقعه الشخص العادي في ذات الظروف، وفق معيار موضوعي.

أما علاقة السببية: فهي الصلة التي تربط بين الخطأ العقدي والضرر، وهي ركن جوهري لقيام المسؤولية العقدية. والأصل افتراض قيام هذه العلاقة بمجرد ثبوت عدم تنفيذ الالتزام، غير أن للمدين أن ينفي مسؤوليته بإثبات أن عدم التنفيذ يرجع إلى سبب أجنبي يتمثل بالقوة القاهرة أو فعل الغير أو فعل الدائن.

ثانيا: المسؤولية التقصيرية هي إخلال بالالتزام القانوني العام المتمثل بعدم إلحاق الضرر بالغير ويرتب على ارتكابه ووقوع الضرر بالغير جزاء يقع عليه، تنص المادة /164/ من القانون المدني السوري على أن: (كل خطأ سبب ضررًا للغير يُلزم من ارتكبه بالتعويض). ويُستفاد من هذا النص أن الخطأ هو أساس المسؤولية التقصيرية، وأن الشخص لا يُسأل عن تعويض الضرر إلا إذا كان هذا الضرر ناشئًا عن خطئه. وعليه، فإذا مارس الشخص نشاطًا مشروعًا دون أن يرتكب خطأ، وترتب على هذا النشاط ضرر للغير، فلا تقوم مسؤوليته التقصيرية.

وللمسؤولية التقصيرية ثلاثة صور:

1. المسؤولية عن العمل الشخصي

2. المسؤولية عن فعل الغير

3. المسؤولية الناشئة عن الأشياء

والقاعدة العامة في المسؤولية عن الفعل الشخصي تقوم وفقًا للقانون المدني السوري على خطأ واجب الإثبات، إذ إن واجب عدم المساس بحقوق الغير هو واجب ببذل عناية الرجل المعتاد. ويقع على عاتق المضرور إثبات انحراف المدعى عليه عن هذا السلوك المألوف أي إخلاله بواجب العناية.

غير أن المشرّع رعايةً لمصلحة المضرور ونزولًا عند مقتضيات العدالة، قد عدّ واجب عدم الإضرار بحقوق الغير في بعض الحالات واجبًا بتحقيق نتيجة، وذلك على سبيل الاستثناء. ففي هذه الحالات، يكفي أن يثبت المدعي وقوع الضرر حتى يُفترض خطأ المدعى عليه.

وهذا الخطأ المفترض قد يكون قابلًا لإثبات العكس في بعض الصور، وقد لا يقبل ذلك في صور أخرى يحددها القانون، بحيث لا يُعفى المدعى عليه من المسؤولية إلا بإثبات السبب الأجنبي، فإذا عجز عن ذلك قامت مسؤوليته والتزم بتعويض المضرور.وهي نوعين رئيسين: المسؤولية عن فعل الغير، والمسؤولية عن الأشياء.

المسؤولية عن فعل الغير

وفي نطاق المسؤولية عن فعل الغير نظم المشرّع مسؤولية متولي الرقابة ومسؤولية المتبوع عن أفعال تابعيه.

مسؤولية متولي الرقابة

ويشترط لقيام مسؤولية متولي الرقابة توافر شرطين: تولي شخص رقابة شخص آخر وصدور فعل ضار من الخاضع للرقابة

ويقوم الأساس القانوني لمسؤولية متولي الرقابة على قرينة الخطأ المفترض من قبل متولي الرقابة مثال الإهمال أو إساءة التربية، فإذا ارتكب الخاضع للرقابة عملاً غير مشروع فإن متولي الرقابة يعتبر قد قصر في رقابته أو أساء تربيته، ويترتب على ذلك أن مسؤولية متولي الرقابة هي في حقيقتها مسؤولية عن خطأ شخصي وليس مسؤولية عن عمل الغير، إلا أن هذا الخطأ مفترض قانونًا، خلافًا للأصل العام، وهو افتراض يقبل إثبات العكس.

واستثناءً من القاعدة العامة التي توجب على المضرور إثبات الخطأ، افترض المشرّع خطأ متولي الرقابة رعايةً لمصلحة المضرور. فمتى صدر من الخاضع للرقابة فعل غير مشروع أضر بالغير، افترض خطأ متولي الرقابة في الإخلال بواجب الرقابة، وافترضت رابطة السببية بين هذا الخطأ والضرر.

ويجوز لمتولي الرقابة أن يدرأ مسؤوليته بإحدى وسيلتين:

أولًا: نفي الخطأ، وذلك بإثبات أنه قام بواجب الرقابة على الوجه المألوف، واتخذ الاحتياطات الكفيلة بمنع وقوع الضرر.

ثانيًا: نفي رابطة السببية المفترضة، بإثبات أن قيامه بواجب الرقابة، ولو على أكمل وجه، لم يكن من شأنه أن يحول دون وقوع الفعل الضار، كما لو ثبت أن هذا الفعل وقع بصورة مفاجئة لا يمكن توقعها أو تلافيها.

مسؤولية المتبوع عن أعمال التابع

يشترط لقيام مسؤولية التابع عن أعمال المتبوع قيام علاقة تبعية وصدور خطأ من التابع يشكل عملًا غير مشروع يسبب ضررًا للغير، وأن يقع الخطأ من التابع حال تأدية وظيفته أو بسببها.

والأصل أن مسؤولية المتبوع لا تقوم إلا إذا ثبت خطؤه الشخصي كإساءة اختيار تابعه أو تقصيره في رقابته، أو خطئه فيما أصدره إليه من أوامر، ويقع عبء إثبات ذلك على عاتق المضرور.

غير أن المضرور غالبًا ما يعجز عن إثبات خطأ المتبوع، لعدم قيام رابطة قانونية مباشرة بينهما، وجهله بظروف اختيار التابع أو رقابته. لذلك تدخل المشرّع في المادة /175/ من القانون المدني السوري، وقرر مسؤولية المتبوع عن الأضرار التي يحدثها تابعه أثناء تأدية وظيفته أو بسببها، دون حاجة لإثبات خطأ في جانب المتبوع. ولا تقوم هذه المسؤولية على افتراض خطأ شخصي في جانب المتبوع، بل على اعتباره ضامنًا قانونيًا لأعمال تابعه، ضمانًا مصدره القانون لا العقد، وتقوم هذه المسؤولية إلى جانب مسؤولية التابع دون أن تلغيها أو تحل محلها.

المسؤولية الناشئة عن الأشياء

تقوم المسؤولية عن الأشياء، خلافًا للقاعدة العامة في المسؤولية التقصيرية، على أساس خطأ مفترض قرره المشرّع رعايةً لمصلحة المضرور، وقد حصر نطاق هذه المسؤولية بالأشياء التي حددها على سبيل الحصر، ونظم شروطها وأحكامها في المواد /177/ إلى /179/ من القانون المدني السوري.

واختلف الفقه في تحديد الأساس القانوني للمسؤولية عن الأشياء، فذهب رأي إلى تأسيسها على نظرية تحمّل التبعة، والرأي الراجح، والمتفق مع نصوص القانون وأحكام هذه المسؤولية، هو أن المسؤولية عن الأشياء تقوم على خطأ قانوني مفترض، قوامه إخلال حارس الشيء بالتزام قانوني بتحقيق نتيجة معينة، هي منع الشيء موضوع الحراسة من إحداث ضرر بالغير.

ولا تقوم المسؤولية المفترضة عن الأشياء إلا إذا كان الضرر قد وقع بفعل شيء من الأشياء التي حدد المشرّع ماهيتها، وهي: الحيوان، والبناء، والأشياء غير الحية التي تتطلب حراستها عناية خاصة.

المسؤولية عن فعل الحيوان

يشترط لقيام المسؤولية المفترضة عن فعل الحيوان أن يكون الضرر قد وقع بفعل حيوان حي مملوك لشخص أو واقع تحت حراسته.

المسؤولية عن تهدم البناء

لا تقوم المسؤولية إلا إذا كان الضرر ناشئًا عن تهدم البناء كليًا أو جزئيًا، أي عن انفصال أجزائه أو سقوطها.

المسؤولية عن الأشياء غير الحية التي تتطلب حراستها عناية خاصة

يشترط لقيام المسؤولية المفترضة عن فعل الشيء أن يكون الشيء من الآلات الميكانيكية أو من الأشياء التي تتطلب حراستها عناية خاصة.

وقد خصّ المشرّع الآلات الميكانيكية بالذكر، لأنها تتحرك بقوة ذاتية، كالسيارات والمصاعد الكهربائية، وهي تُعد بطبيعتها من الأشياء التي تستوجب عناية خاصة في حراستها.

رابطة السببية بين فعل الشيء والضرر

لا يكفي لقيام المسؤولية المفترضة عن الأشياء مجرد تحقق الضرر وكون الشيء في حراسة المدعى عليه، بل لا بد من إثبات أن الشيء موضوع الحراسة هو الذي ألحق الضرر، أي قيام رابطة سببية بين فعل الشيء والضرر.

يقع عبء المسؤولية عن الضرر الذي يحدث بفعل الشيء، سواء أكان حيوانًا أم بناءً أم شيئًا غير حي يتطلب حراسته عناية خاصة، على حارس الشيء.

ويُقصد بحارس الشيء من تكون له عليه السيطرة الفعلية وقت وقوع الضرر، سواء لحساب نفسه أو لحساب غيره، وسواء كان له حق قانوني على الشيء أم لم يكن، وسواء أكان الشيء في حيازته المادية أم لا.

والأصل أن يُعد مالك الشيء حارسه، إلا أن هذه قرينة بسيطة تقبل إثبات العكس، فيجوز للمالك أن يثبت أن السيطرة الفعلية وسلطة الاستعمال والتوجيه والرقابة قد انتقلت منه إلى شخص آخر وقت وقوع الضرر.

المستفيد من المسؤولية المفترضة

تقررت المسؤولية المفترضة عن الأشياء لمصلحة كل من أصابه ضرر بفعل الشيء، ويجوز له التمسك بها في مواجهة حارس الشيء.

ومتى ثبت وقوع الضرر بفعل الشيء، ثبت خطأ الحارس بحكم القانون، ولا يجوز له نفي هذا الخطأ بإثبات أنه بذل العناية اللازمة، لأن التزامه ليس التزام عناية بل التزام بتحقيق نتيجة.

ولا يتخلص الحارس من المسؤولية إلا إذا أثبت أن وقوع الضرر كان بسبب أجنبي لا يد له فيه، كالقوة القاهرة أو فعل الغير أو خطأ المضرور.

وللمسؤولية التقصيرية باختلاف صورها ثلاثة أركان. الخطأ، والضرر، والعلاقة السببية.

1.الخطأ: عرّفت محكمة النقض السورية الخطأ بأنه: (سلوك معيب لا يأتيه الرجل البصير لو وجد في ذات الظروف الخارجية التي أحاطت بالمسؤول، ويُعد عملًا غير مشروع موجبًا للمسؤولية التقصيرية).

ويُستفاد من هذا التعريف أن الخطأ يقوم على ثلاثة أركان: ركن مادي، وركن معنوي، وركن قانوني.

أولًا: الركن المادي للخطأ

يتمثل الركن المادي في التعدي غير المشروع على حقوق الغير أو مصالحه المشروعة دون وجه حق، ويظهر هذا التعدي من خلال الانحراف عن السلوك المعتاد أو المألوف. وقد يتحقق الخطأ بفعل إيجابي، كما قد يتحقق بفعل سلبي يتمثل في الامتناع أو الترك.

ولا يُعد الامتناع خطأً موجبًا للمسؤولية إلا إذا كان هناك واجب قانوني أو التزام سابق بالفعل يفرض على الشخص التدخل، كوجوب إضاءة مصابيح السيارة ليلًا. أما الامتناع المجرد غير المسبوق بنشاط، فلا يرتب في الأصل مسؤولية مدنية.

ثانيًا: الركن المعنوي للخطأ

يقوم الركن المعنوي على إدراك الشخص لما في سلوكه من انحراف، ويفترض وجود إرادة مميّزة وحرة. فلا تُسند المسؤولية إلى الشخص إذا لم يكن لإرادته دور في ارتكاب الفعل، كما في حالتي القوة القاهرة أو الضرورة.

وللإرادة درجات: الفعل المتعمد: حيث يقصد الفاعل الإضرار بالغير.

الخطأ الجسيم: وهو الخطأ الذي لا يُتصور صدوره من أكثر الناس إهمالًا، ويُلحق في آثاره بالخطأ العمدي.

الخطأ الناتج عن الإهمال أو عدم الاحتراز.

ثالثًا: الركن القانوني للخطأ

يشترط لقيام الخطأ أن يكون الفعل غير مشروع. فإذا كان الفعل مشروعًا واستند إلى أحد أسباب الإباحة، انتفت المسؤولية مهما ترتب عليه من ضرر.

معيار الخطأ: استقر الفقه والقضاء على اعتماد المعيار الموضوعي، أي قياس سلوك المسؤول بسلوك الشخص العادي متوسط الحرص، لا شديد اليقظة ولا فاحش الإهمال.

وفي المسؤولية المهنية ولا سيما الطبية، يُعتمد معيار الشخص الفني من أواسط أهل المهنة، مع مراعاة اختصاص الطبيب وخبرته.

المسؤولية الطبية: الأصل أن مسؤولية الطبيب مسؤولية عقدية، لقيامها على عقد العلاج. غير أنها قد تكون تقصيرية إذا تدخل الطبيب دون وجود عقد، كما في حالات الإسعاف الإنساني. وفي الحالتين، يلتزم الطبيب ببذل عناية لا بتحقيق نتيجة.

2. الضرر: هو الأذى الذي يصيب الشخص في حق من حقوقه أو مصلحة مشروعة له، ولا تقوم المسؤولية بدونه. ويقع عبء إثبات الضرر على المضرور، ويشترط فيه أن يكون: محققًا وشخصيًا ومباشرًا وناشئًا عن إخلال بحق أو مصلحة مشروعة وينقسم الضرر إلى: ضرر مادي وضرر جسدي وضرر أدبي.

والضرر المادي هو ما يصيب الشخص في ذمته كإتلاف مزروعاته اما الضرر الجسدي فهو كل ما يصيب المضرور في حياته او في جسمه والضرر المعنوي أو الأدبي هو الضرر الي يلحق الشخص في مصلحة غير مالية فهو ما يصيب الشخص في كرامته أوفي شعوره أو في شرفه أو في معتقداته الدينية أو في عاطفته

وقد استقر القضاء السوري والمصري على التعويض عن الضرر الأدبي، مع القيود الواردة في المادة /223/ مدني سوري.

3. العلاقة السببية: هي الصلة التي تربط بين الخطأ والضرر، ولا تقوم المسؤولية بدونها. ويجوز نفيها بإثبات السبب الأجنبي، سواء كان قوة قاهرة، أو خطأ المضرور، أو خطأ الغير.

المطلب الثاني: موقف قوانين الدول العربية من المسؤولية الطبية

تختلف القوانين التي تتناول المسؤولية الطبية من دولة إلى أخرى من حيث النصوص ونطاق التطبيق وأركان المسؤولية وطرق الإثبات والتعويض. سنتطرق إلى ثلاثة منها وهي على التوالي:

 1) الأردن — قانون المسؤولية الطبية والصحية رقم (25) لسنة 2018

في الأردن صدر قانون رقم (25) لسنة 2018 بشأن المسؤولية الطبية والصحية.

المادة (2) من هذا القانون تعرّف الخطأ الطبي بشكل عام على أنه أي “فعل أو ترك أو إهمال يرتكبه مقدم الخدمة لا يتفق مع القواعد المهنية السائدة ضمن بيئة العمل المتاحة وينجم عنه ضرر”.

كذلك يشترط القانون أن يكون مقدم الخدمة ملتزمًا بالقواعد المهنية والأصول الطبية في ممارسته، وإلا يتحمل المسؤولية إذا ترتب على ذلك ضرر للمريض المادة 7.

 القانون الأردني هو من القوانين العربية القليلة التي نصّت صراحة على تعريف الخطأ الطبي في تشريع مستقل، ويُطبق في نطاق المسؤولية المدنية والتعويض عن الضرر.

 2) مصر — قانون تنظيم المسؤولية الطبية وسلامة المريض رقم (13) لسنة 2025

في مصر صدر قانون رقم (13) لسنة 2025 بشأن تنظيم المسؤولية الطبية وسلامة المريض كإطار شامل للمسؤولية عن الأخطاء المهنية في الرعاية الصحية.

من أهم ما نصّ عليه القانون:

تعريف “الأخطاء الطبية” وتمييزها بين الأخطاء العادية الجسيمة فقرة 10_11 من المادة 1.

إلزامية الرضا المستنير للمريض قبل العلاج، وتوثيق الإجراءات داخل السجل الطبي فقرة 9 من المادة 1.

تناول المسؤولية الطبية بنص واضح المادة 3 ومنع الإعفاء أو التخفيف من المسؤولية.

إنشاء صندوق تأمين ضد الأخطاء الطبية للمساعدة في التعويض عن الأضرار المادة 20.

آليات فنية وتقنية لتقييم وجود خطأ طبي قبل إحالة القضية للقضاء المادة 9 وما بعدها.

كما يعالج القانون الإطار المؤسسي والفني للتعويض وجمع الأدلة وتقارير الخبراء.

هذا القانون يُعد أول تشريع شامل في مصر يعالج المسؤولية الطبية بشكل مستقل ومحدد، وحل محل المسؤولية الطبية سابقا التي كانت تعتمد على القواعد العامة في القانون المدني والعقوبات العامة فقط.

 3) الإمارات العربية المتحدة

في الإمارات يُنظم موضوع المسؤولية الطبية بالمرسوم الاتحادي رقم 4 لسنة 2016.

يشترط القانون الإماراتي أن يكون الخطأ الذي يرتكبه مزاول المهنة نتيجة أي من الأسباب التالية: جهله بالأمور الفنية المفترض لإلمام بها في كل من يمارس المهنة من ذات درجاته وتخصصه، عدم اتباعه الأصول المهنية والطبية المتعارف عليها، عدم بذل العناية اللازمة، الإهمال وعدم اتباعه الحيطة والحذر. ويُلزَم المتسبب بتعويض المتضرر.

مادة (18) من القانون تنص على تشكيل لجان طبية متخصصة للنظر في الشكاوى المحالة إليها من الجهات الصحية والتحقيق في أسباب الضرر وتحديد ما إذا كان الخطأ مهنيًا داخل نطاق الممارسة.

القانون يبحث أيضًا التأمين ضد المسؤولية المدنية عن الأخطاء الطبية وتهيئة لجان خبراء للحالات الطبية.

وجدير بالذكر أن أغلب الدول العربية لديها قوانين وتشريعات واضحة لتنظيم مسؤولية الطبيب عن خطأه الطبي تشمل إجراءات وجزاءات وتحديد المسؤولية المدنية والجزائية عن الأخطاء الجسيمة.

المبحث الثالث: المقارنة بين الضمان في الفقه الإسلامي والمسؤولية المدنية في القانون المدني

ذكرنا سابقا أن المسؤولية المدنية تتداخل مع مصطلح الضمان فهناك من فقهاء المسلمين المعاصرين من يرى المسؤولية اصطلاحا أكثر دقة وشمولا من مصطلح الضمان إذ إنها تعبر عن جميع المقتضيات والآثار التي قد تنشأ عن الفعل من رد القيمة أو المثل أو الإزالة أو القيام بأي فعل يجبر الضرر بحسب الأحوال.

على حين يرى بعضهم الآخر أن “الضمان يتسع للمسؤولية بنوعيها المدنية الجنائية، والضمان مصطلح أعم وأشمل وأكثر دقة من مصطلح المسؤولية المدنية، وذلك لأن الضمان تنتفي بانتفائه المسؤولية، بينما انتفاء المسؤولية لا يترتب عليه انتفاء الضمان، حيث المسؤولية جزء منه وهو يمثل الكل وبانهدامه ينهدم الجزء وهو المسؤولية.

على حين أن هناك فريق ثالث من الفقهاء المسلمين يرى أن كلا المصطلحين مرادف للمصطلح الآخر.

وهناك اتجاه آخر يرى أن المسؤولية كمصطلح وليس كنطاق للتطبيق أوسع في معناها لأنها تمثل حالة المساءلة عن أفعال وأمور أتاها الفاعل، فنتيجة الفعل قد تكون أحد الأمور التي أتاها بالمعنى الواسع للأمور ولكن في التطبيق الضمان أوسع في شروطًه مما تؤسس نطاقه وماله، وذلك يرجع للأساس الذي يبنى عليه كل منهما حيث الضمان فيما يؤسس عليه من أركان أقل شروطا مما تؤسس عليه المسؤولية، إذ لا يشترط في الفعل سوى أن ينتج عنه الضرر وهو شرط في المسؤولية، والضمان لا يقوم على الفعل لأنه لا يحاسب عليه بل يقوم على الضرر دون الالتزام بالفعل الضار المتحقق الوجود بالضرورة بتحقق الضرر يمكن تحققه أكثر من أن يجتمع فيه الضرر والخطأ مًعا في آ ن واحد، لذلك يتسع نطاق الضمان عن نطاق المسؤولية.

ومن خلال ما سبق يمكن عرض نقاط الاتفاق والاختلاف بين الفقه الإسلامي والقانون في الآتي:

1. يتفق الفقه الإسلامي مع القانون في أن المسؤولية في كليهما ترتب آثاراً قانونية، فهي ليست خالية من عنصر الجزاء حيث يتحقق الجزاء على المخالفة فهي ليست مسؤولية أدبية.

2. يتفق الفقه الإسلامي أيضاً مع القانون في انطلاق المسؤولية من عنصري الإدراك والتمييز، حيث لا يمكن تحقق المسؤولية القانونية بدون الأهلية اللازمة لتلك المسؤولية.

3. يتفق الفقه مع القانون في أن المسؤولية لا تقوم بدون ضرر تتحقق به أركانها، حيث لابد أن تكون المسؤولية جبرا أو تعويضا عن هذا الضرر.

 بينما يختلفان من النواحي الآتية:

1. مصطلح الضمان في الفقه الإسلامي أعم وأشمل من مصطلح المسؤولية في القانون الوضعي، حيث إن الضمان يهدف إلى تعويض المضرور فإن المسؤولية تخضع ذلك لبعض الشروط بينما الضمان يفرضها مهما كانت النتائج.

2. غاية الضمان هي إزالة الأثر الضار الذي تسبب به الفعل الموجب للمسؤولية والذي نهى عنه ولم يجيزه الشرع بينما المسؤولية في النظام الوضعي تتعلق بالأثر المترتب على الالتزام ولم تتعلق بسبب أو أساس قيام هذا الالتزام.

الخاتمة: الضمان في الفقه الإسلامي لا يُفهم بذات المفهوم الضيق للمسؤولية في القوانين الوضعية، ولا يتعلق بحدود المصطلح أو مدلولاته اللفظية كما وردت في بعض النصوص الشرعية، وإنما تتجسد أهمية فكرة الضمان في كونها وسيلة لتحقيق جملة من الغايات التي تعود بالنفع على الفرد والمجتمع. فالعلة في مشروعية الضمان هي حماية أموال الناس وأنفسهم وجبر الضرر الواقع عليهم، لا إيقاع اللوم أو الجزاء على الفاعل.

ومن ثم، فإن الضمان في الفقه الإسلامي يختلف جوهريًا عن مفهوم المسؤولية بالمعنى القانوني الدقيق، إذ إن المسؤولية تفيد المؤاخذة واللوم ويتجلى ذلك في الحكم أو الجزاء المترتب عنها، في حين أن الضمان – بهذا المفهوم – يخلو من معنى المؤاخذة واللوم، ولا يُعد أثرًا لفعل محظور أو ملام عليه بذاته، بل يقوم أساسًا على إزالة آثار الضرر دون التعرض لتقييم الفعل في ذاته. ومن هنا، يتأسس الضمان في الفقه الإسلامي على الضرر لا على الخطأ، وهو ما لم تُبرزْه على نحوٍ كافٍ التعريفات المتعددة التي تناولت مفهوم الضمان.

خلصت الدراسة إلى أن ضمان الخطأ الطبي في الفقه الإسلامي يستند إلى قواعد راسخة تضبط إسناد الضرر وتربط الضمان بالتعدي أو التفريط، مع الاعتداد بالإذن الطبي وانتفاء الضمان عند تعذر الاحتراز وعدم قيام موجب المسؤولية. كما يتبين أن القانون السوري يعالج المسؤولية الطبية في إطار القواعد العامة للمسؤولية المدنية، في حين اتجهت بعض التشريعات العربية إلى تنظيمها بتشريعات خاصة. وتظهر المقارنة تقارب النظامين في غايتهما المتمثلة بجبر الضرر، مع اختلافهما في الأساس والمصطلحات وبعض شروط قيام المسؤولية وآثارها.