تثير مسألة تحديد الطبيعة القانونية للغرامات أهمية خاصة عند تطبيق أحكام العفو العام، لما يترتب على وصف الغرامة بأنها جزائية أو مدنية من آثار قانونية مختلفة. ولا يكفي في تحديد هذه الطبيعة مجرد ورود لفظ «الغرامة» في النص، وإنما يتعين الرجوع إلى مضمون النص والغاية منه وسائر القرائن الدالة على مقصود المشرّع. وعليه، تتناول هذه الدراسة التمييز بين الغرامة الجزائية والغرامة المدنية، وتطبيق ذلك على الغرامات محل المطالعة، وصولًا إلى تحديد مدى شمولها بالعفو العام.
أولًا: التمييز بين الغرامة الجزائية والغرامة المدنية
تتميّز الغرامة الجزائية عن الغرامة المدنية ذات الطابع التعويضي بأن الأولى تُعدّ عقوبة بحدّ ذاتها، وتشكل إحدى العقوبات الأصلية في الجنح والمخالفات، وقد تأتي كعقوبة فرعية أو إضافية في الجنايات، وذلك وفق أحكام المواد من /39/ إلى /42/من قانون العقوبات، ولهذا السبب تخضع الغرامة الجزائية لجميع الأحكام التي تخضع لها العقوبات، مثل العفو، ودغم العقوبات، والتقادم الجزائي، والتكرار، كما تُستبدل بالحبس عند عدم أدائها.
أما الغرامة المدنية، فهي محكومة بالقواعد المدنية، ومنها التقادم المدني، ولا تُعامل معاملة العقوبات الجزائية.
وقد نصّ مرسوم العفو العام رقم 39 لعام 2026م على شمول بعض الجرائم بالعفو عن كامل العقوبة بما في ذلك العقوبات المالية (الغرامة ذات الطابع الجزائي) انسجامًا مع أحكام المادة /150/ من قانون العقوبات التي تقضي بأن العفو العام يُسقط كل عقوبة أصلية أو فرعية أو إضافية.
لكنه استثنى في مادته التاسعة بعض الغرامات تحديدًا، مثل غرامات مخالفات قوانين القطع والتبغ والتنباك وضابطة البناء والكهرباء والطوابع، إضافة إلى جميع الغرامات التي تحمل طبيعة التعويض المدني للدولة في القوانين الأخرى.
ومن هنا تبرز ضرورة بحث الطبيعة القانونية لكل غرامة على حدة، إذ لا يمكن القياس بين الغرامات المختلفة، فلكل منها خصائصها التي تميزها.
ثانيًا: أمثلة تطبيقية على الغرامات الواردة في بعض القوانين الخاصة
- الغرامات المفروضة على جرم التهريب وفق المرسوم التشريعي رقم 13 لعام 1974م
عاقبت المادة الأولى من قانون مكافحة التهريب الصادر بالمرسوم التشريعي رقم (13) لعام 1974م على التهريب أو الشروع فيه بعقوبة مانعة للحرية وبغرامة، حيث نصت الفقرة (أ) على:(أ- يُعاقَب على تهريبِ أو الشروعِ في تهريبِ الموادِّ… بالاعتقالِ… وبغرامةٍ لا تقلُّ عن مثلِ قيمةِ الموادِّ المهرَّبةِ، ولا تزيدُ عن عشرةِ أمثالِها).
إنَّ اللفظ الذي استخدمه النص القانوني صريح وقطعي الدلالة بأن الغرامة هنا (عقوبة جزائية) وليست تعويضًا مدنيًّا، خلافًا للغرامات التي تحكم بها المحاكم الجمركية، والتي وصفها قانون الجمارك رقم (38) لعام 2006م في المادة /249/ صراحةً بأنها تعويض مدني، حيث نصّ على أن: (تُعتَبَرُ الغراماتُ الجمركيّةُ والمصادراتُ المنصوصُ عليها في هذا القانونِ تعويضًا مدنيًا لإدارةِ الجمارك.)
وقد أكدت محكمة النقض هذا التمييز بقولها: (الغرامةُ المنصوصُ عنها بالمرسومِ /13/ لعام 1974م عقوبةٌ جزائيّة، في حين أنّ لها في القضايا الجمركيّة صفةُ التعويضِ المدني).
قرار 48 / 1982م- أساس 118 قاعدة 63 – اجتهادات قانون مكافحة التهريب – استانبولي • تصنيفات استانبولي و مشاركوه.
وعليه، فإن الغرامة الواردة في المرسوم التشريعي رقم (13) لعام 1974م تُعدّ عقوبة إضافية مشمولة بالعفو العام رقم 39 لعام 2026م.
- الغرامات المفروضة على جرم التعامل بغير الليرة السورية وفق المرسوم التشريعي رقم (5) لعام 2024م
نصّت المادة الأولى من المرسوم المذكور على عقوبات مانعة للحرية بحق من يتعامل بغير الليرة السورية في المدفوعات أو التداولات التجارية أو التسديدات النقدية دون موافقة مجلس الوزراء.
وجاء في الفقرة (ب/4) منه: (يُحكَمُ في جميعِ الحالاتِ المنصوصِ عليها في البنودِ (1-2-3) من هذه الفقرةِ بغرامةٍ تعادلُ ضعفي قيمةِ المدفوعاتِ أو المبالغِ المتعاملِ بها أو المسدَّدةِ محلَّ الجرمِ أو السلعِ والمنتجاتِ والخدماتِ المعروضة).
ورغم أنه لم يرد في النص القانوني المذكور لفظ صريح يشير إلى الطبيعة القانونية لهذه الغرامة، إلا أن استقراء الفقرة (ج) من النصِّ ذاته يكشف تلك الطبيعة حيث نصت على :(ج- يُعدُّ مصرفُ سوريةَ المركزيُّ مدّعيًا شخصيًا في الجرائمِ المنصوصِ عليها في هذه المادةِ، ويُترَكُ تقديرُ التعويضِ المدنيِّ للمحكمة).
فبعد أن حددت الفقرة (ب/4) مقدار الغرامة المتوجب الحكم بها بضعفي قيمة المدفوعات أو المبالغ المتعامل بها، تركت الفقرة (ج) تقدير التعويض المدني الذي يجب الحكم به للمصرف المركزي للمحكمة.
وبما أنه لا يجوز الحكم بتعويضين عن جرم واحد، فإن الغرامة المحددة في الفقرة (ب/4) تُعدّ عقوبة، بينما التعويض المدني هو ما يُترك تقديره للمحكمة.
ولا أدل على ذلك من أن بعض مراسيم العفو العام السابقة عندما نصت على استثناء بعض الغرامات من شمولها ذكرت غرامات مخالفات الصرافة صراحةً ضمن الاستثناءات برغم أنها استثنت في فقرة مستقلة كافة الغرامات المنصوص عليها في القوانين التي تحمل طابع التعويض المدني كالمادة الخامسة من مرسوم العفو العام رقم (27) لعام 2024م ولو أنها اعتبرت تلك الغرامات لها طبيعة التعويض المدني لما نصت على استثناءها صراحةً رغم وجود نص عام يستثني الغرامات ذات الطابع المدني.
وعليه، فإن الغرامة المفروضة وفق المرسوم التشريعي رقم (5) لعام 2024م تُعدّ عقوبة إضافية مشمولة بالعفو العام رقم /39/ لعام 2026م.
- الغرامات المفروضة على جرم مزاولة الصرافة بدون ترخيص، وتحويل الأموال للخارج وفق المرسوم التشريعي رقم (6) لعام 2024م.
عاقبت المادتان الأولى والثانية من المرسوم التشريعي رقم (6) لعام 2024م مزاولة الصرافة دون ترخيص أو تحويل الأموال للخارج دون ترخيص بعقوبة مانعة للحرية وبغرامة، حيث ورد في المادة الأولى (كلُّ من يُخالِفُ أحكامَ الفقرةِ (أ) من المادةِ /7/ من هذا القانونِ، ويزاولُ مهنةَ الصرافةِ دون ترخيصٍ يُعاقَبُ بالسجنِ المؤقّتِ… وبغرامةٍ مقدارُها…)
كما ورد في المادة الثانية (يُعاقَبُ كلُّ من يُخالِفُ أحكامَ الفقرةِ (ج) من المادةِ /7/ من هذا القانونِ بالقيامِ بنقلِ أو تحويلِ العملاتِ الأجنبيةِ أو الوطنيةِ بين سوريةَ والخارجِ دون ترخيصٍ، بالسجنِ المؤقّتِ… وبغرامةٍ مقدارُها…)، وهذا اللفظ الذي استخدمه النص القانوني صريح وقطعي الدلالة بأن هذه الغرامة (عقوبة جزائية) وليس لها طابع التعويض المدني.
وعليه، فإن الغرامة المفروضة وفق المرسوم التشريعي رقم (6) لعام 2024م تُعدّ عقوبة إضافية مشمولة بالعفو العام رقم 39 لعام 2026م.
ثالثًا: معايير الاستدلال على الطبيعة القانونية للغرامة
رغم أنَّ لكلِّ غرامة طبيعة قانونية خاصة بها تُستمد من النص الذي وردت فيه ومن الغاية التشريعية التي وُضعت لأجلها، إلا أنّ هناك مجموعة من المعايير العامة التي يمكن الاسترشاد بها عند محاولة تحديد ما إذا كانت الغرامة ذات طبيعة جزائية أم مدنية تعويضية.
وهذه المعايير لا تُغني عن دراسة كل نص على حدة، لكنها تُسهم في تكوين رؤية أوضح حول الاتجاه التشريعي. وفيما يأتي أهم هذه المعايير:
- النصّ الصريح على نوع الغرامة
إذا نصّ القانون على أن الغرامة تعويض مدني، فهي كذلك مثل المادة (40/د) من قانون وقاية النبات والحجر الصحي الزراعي رقم 26 لعام 2007م، والمادة /249/ من قانون الجمارك رقم 38 لعام 2006م، والمادة (39/ب) من قانون البريد رقم /38/ لعام 2017م.
أما الغرامة الجزائية فالقانون لا ينص صراحةً على أنها غرامة جزائية، وإنما يورد لفظ العقوبة عند النص على الحكم بالغرامة بتعبير (يعاقب بغرامة…) وهنا تكون الغرامة جزائية.
- الجهة التي تحكم بالغرامة
الغرامة التي تحكم بها محكمة مدنية هي غرامة مدنية؛ لأن المحاكم المدنية لا تحكم بعقوبات جزائية مثل الغرامة التي يحكم بها عند رفض طلب رد القاضي وفق المادة /186/ من قانون أصول المحاكمات، والغرامة التي يحكم بها على مدعي التزوير إذا حكم بسقوط حقه بالادعاء بالتزوير أو رفضه المادة /47/ من قانون البينات، والغرامة المترتبة على امتناع الشاهد عن أداء اليمين أو الإجابة بغير سبب قانوني المادة /78/ من قانون البينات. والعكس غير صحيح، فإذا منح القانون حق الحكم بالغرامة لمحكمة جزائية، فليس بالضرورة أن يعني ذلك أن الغرامة جزائية؛ لأن المحاكم الجزائية تختص بالحكم بالعقوبة والتعويض معًا، أما المحاكم المدنية فلا تختص للحكم بعقوبة.
- الجمع بين الغرامة والتعويض
إذا فرض القانون في نص واحد الحكم بالغرامة والتعويض معًا إخلالًا بموجب قانوني، فتعدُّ الغرامة عقوبة هنا؛ لأنه لا يجوز الجمع بين الغرامة المدنية والتعويض معًا، مادامت الغرامة المدنية ذات صفة تعويضية، مثل المادة (43/ج) من قانون الكهرباء رقم 32 لعام 2010م.
- ورود النص على الحكم بعقوبة مانعة أو مقيدة للحرية أو بالغرامة على سبيل التخيير
إذا ورد النص على الحكم بعقوبة مانعة للحرية أو الغرامة على سبيل التخيير فالغرامة هنا جزائية؛ لأنه لا يجوز استبدال عقوبة مانعة أو مقيدة للحرية بغرامة مدنية، مثل المادة /637/ من قانون العقوبات.
- الغاية من فرض الغرامة
الغرامة الجزائية هدفها إيلام المحكوم عليه وردعه من تكرار الجرم، أما الغرامة المدنية، فهدفها التعويض على المتضرر.
يتبين مما تقدم أن تحديد الطبيعة القانونية للغرامة يستلزم دراسة النص المنشئ لها في ضوء الغاية التي قصدها المشرّع والآثار المترتبة عليها، ولا يجوز إضفاء صفة التعويض المدني عليها لمجرد اتصالها بحقوق مالية للدولة. وبناءً على ذلك، فإن الغرامات محل الدراسة، متى ثبت أنها مقررة بوصفها عقوبات جزائية، فإنها تدخل في نطاق العفو العام ما لم يرد نص صريح باستثنائها. ومن ثم، فإن العبرة في تطبيق العفو العام ليست بتسمية الغرامة، وإنما بحقيقتها القانونية المستمدة من النص الذي قررها.






