في إطار ترسيخ دولة القانون وتعزيز مسار العدالة الانتقالية، أعلنت وزارة العدل اليوم عن إصدار مذكرات توقيف غيابية بحق مئات المتورطين في الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت بحق أبناء الشعب خلال الحقبة الماضية، وذلك استناداً إلى تحقيقات قضائية موثقة وإجراءات قانونية أُنجزت وفق الأصول المرعية.
وأوضح قاضي التحقيق السابع في دمشق توفيق العلي في تصريح له، أن الضابطة العدلية قامت بعمليات تقصٍ وتحقيق واسعة شملت مئات المشتبه بهم بارتكاب جرائم جسيمة، مشيراً إلى أن الملفات أُحيلت إلى النيابة العامة التي حركت الدعوى العامة، ليصار لاحقاً إلى إصدار مذكرات التوقيف الغيابية تمهيداً لجلب المتهمين أمام القضاء المختص.
وأكد وزير العدل مظهر الويس أن هذه الإجراءات تأتي ثمرة عمل قانوني ومؤسساتي متواصل لتوثيق الانتهاكات وبناء ملفات متكاملة، مشدداً على أن الدولة ماضية في إنهاء مرحلة الإفلات من العقاب ومحاسبة كل من تورط في الجرائم بحق المواطنين، بما يعزز الثقة بالمؤسسات القضائية ويؤسس لمرحلة وطنية قائمة على العدالة والمصالحة.
مسار قضائي متكامل
وكانت النيابة العامة قد حركت في وقت سابق دعاوى بحق عدد من رموز المرحلة السابقة، من بينهم عاطف نجيب وأحمد بدر الدين حسون ومحمد الشعار وإبراهيم الحويجة ووسيم الأسد ودعاس علي، حيث تم توقيف بعضهم وإحالة ملفاتهم إلى القضاء المختص ضمن إجراءات قانونية شفافة.
كما سبق أن أصدر القضاء مذكرة توقيف غيابية بحق بشار الأسد على خلفية الجرائم المرتكبة في أحداث درعا عام 2011، في خطوة تعكس استقلالية القضاء السوري وحرصه على ملاحقة المتهمين أينما وجدوا، رغم وجود بعضهم خارج البلاد، ومنهم من يقيم في روسيا.
إصلاحات تشريعية وقضائية
وتأتي هذه الإجراءات بالتوازي مع حزمة إصلاحات قانونية شملت إلغاء مئات آلاف القضايا الاستثنائية وإلغاء المحاكم غير الدستورية، بما يعيد الاعتبار للقضاء الطبيعي ويضمن حقوق المواطنين. كما صدر عفو عام استثنى صراحة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة، في تأكيد واضح على أن العدالة الانتقالية تقوم على التفريق بين من تورط في الجرائم ومن لم تتلطخ يداه بدماء السوريين.
ترحيب ودعم وطني ودولي
وقد لاقت الخطوات القضائية ترحيباً واسعاً من الفعاليات الوطنية والحقوقية التي اعتبرتها بداية حقيقية لإغلاق ملف الانتهاكات وبناء دولة المؤسسات. كما أكدت تقارير صادرة عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان أهمية استمرار مسار المحاسبة لضمان عدم تكرار الجرائم.
وعلى الصعيد الدولي، يجري التنسيق مع جهات قانونية دولية، من بينها المحكمة الجنائية (ICC) الدولية والآلية الدولية المحايدة والمستقلة (IIIM)، بما يسهم في تبادل الأدلة وتعزيز فرص تحقيق العدالة. كما ناقش مجلس مجلس الأمن في تقاريره الأخيرة التطورات الإيجابية في الملف القضائي السوري.
دولة القانون والمواطنة
وتؤكد الحكومة أن هذه الإجراءات تمثل خطوة مفصلية في مسار إعادة بناء الدولة على أسس العدالة وسيادة القانون، وترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب، بما يحفظ حقوق الضحايا ويصون وحدة المجتمع ويعزز الاستقرار.
وتشدد الجهات القضائية على أن المذكرات الصادرة ستبقى نافذة، وأن ملاحقة المتهمين ستستمر عبر القنوات القانونية الوطنية والدولية، حتى يمثلوا أمام القضاء لينالوا الجزاء العادل وفق القانون.

